
في الوقت الذي يعيش فيه نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، تظهر في دمشق مولات فاخرة مخصصة للعلامات التجارية العالمية، وكأن البلاد تعيش ازدهارًا اقتصاديًا لا يراه المواطن السوري في حياته اليومية.
السؤال البسيط الذي يفرض نفسه: من هو الزبون المستهدف بهذه المولات؟
عندما تكون الغالبية العظمى من الشعب عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، يصبح افتتاح مراكز تجارية تبيع منتجات فاخرة بمبالغ تفوق قدرة المواطن العادي على دفعها مشهدًا شديد التناقض مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
المواطن السوري اليوم يفكر في سعر الخبز، والغذاء، والدواء، والكهرباء، والوقود، والإيجار. وفي الجهة الأخرى تُفتتح مساحات ضخمة للماركات العالمية، وتُعرض فيها منتجات لا يستطيع معظم السوريين حتى التفكير في شرائها.
وهنا تظهر الشبهة الأكبر: إذا لم تكن هذه المولات موجهة إلى 90% من المجتمع، فمن أين تأتي القوة الشرائية التي تجعل هذه المشاريع مربحة؟ ومن أين جاءت الأموال التي تُضخ في هذه المشاريع؟
بالنسبة إلى كثير من السوريين، لا تبدو هذه المشاريع انعكاسًا لتعافي الاقتصاد بقدر ما تبدو انعكاسًا لاتساع الفجوة بين طبقة تملك المال وعموم المجتمع الذي يعاني من الفقر.
ومن هنا يطرح البعض اتهامًا أكثر خطورة، وهو أن بعض هذه المشاريع قد تستخدم كواجهة لإدخال أموال غير مشروعة، أي كوسيلة محتملة لغسل الأموال التي تحصل عليها حكومة الامر الوقع وعصابة (احمد الشرع) الجولاني عبر سرقات واختلاسات ونهب السوريين من نفط وزراعة ومواد طبيعية وبيع اراضي من مقدرات الشعب السوري
المشكلة الحقيقية ليست في وجود ماركات عالمية في دمشق بحد ذاته. المشكلة في أن هذه المولات تظهر في بلد ما زال المواطن فيه عاجزًا عن تأمين أبسط مقومات الحياة.
فإذا كان الاقتصاد يتعافى فعلًا، فأين انعكاس هذا التعافي على حياة المواطن؟
أين المصانع؟
أين فرص العمل الحقيقية؟
أين زيادة الرواتب؟
أين الخدمات؟
أين انخفاض الأسعار؟
أين الطبقة الوسطى؟
لا يمكن قياس تعافي بلد بعدد المولات الفاخرة أو عدد العلامات التجارية العالمية التي تدخل سوقه. التعافي الحقيقي يقاس بقدرة المواطن العادي على العيش بكرامة.
أما أن تكون هناك واجهات فاخرة وماركات عالمية خلف أبوابها، بينما يقف ملايين السوريين خارج هذه المنظومة الاقتصادية، فهذا لا يعكس بالضرورة نهضة اقتصادية؛ بل قد يعكس اقتصادًا شديد التفاوت، تُعاد فيه صناعة الثروة بعيدًا عن غالبية المجتمع.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت عالٍ:
إذا كان 90% من السوريين لا يستطيعون دخول هذه المولات أصلًا كمستهلكين، فلمن بُنيت؟ ومن أين جاءت الأموال التي تشغّلها؟ ومن المستفيد الحقيقي منها؟
هذه الأسئلة ليست ضد الاستثمار، وليست ضد الماركات العالمية. إنها أسئلة عن العدالة الاقتصادية والشفافية ومصدر الثروة والى من تذهب ومن المستفيد
